الشيخ السبحاني
629
سيد المرسلين
( 1 ) ولكن تقادم العهد ، وانقطاع شعب الحجاز عن قيادة الأنبياء ، وأنانية قريش ، وسيادة الوثنية على عقول العرب أوجب أن تتعرض مراسم الحج ومناسكه - من حيث الزمان والمكان - لعملية تحريف وتغيير ، وان تفقد صبغتها الحقيقية ووجهها الواقعيّ . لهذه الجهات امر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في السنة العاشرة من الهجرة ، ومن قبل اللّه سبحانه ان يشارك في مراسم الحج شخصيا ، ويقوم بتعليم مناسك الحج للناس ، ويوقفهم على واجباتهم في هذه العبادة الكبرى عمليا ، كما يقوم بإزالة كلّ ما علق بها من زوائد طيلة السنوات الغابرة ، ويعيّن حدود « عرفات » و « منى » ويوم الإفاضة منها ولهذا فانّ السفر كان سفرا ذا طابع تعليمي ، قبل أن يكون ذا طابع سياسيّ واجتماعي . ( 2 ) أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الشهر الحادي من العام العاشر للهجرة ( أي شهر ذي القعدة ) بأن ينادى في المدنية وبين القبائل بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقصد مكة للحج هذا العام ، فأحدث هذا الاعلان شوقا وابتهاجا عظيمين في نفوس جمع كبير من المسلمين ، فتهيّأ عدد هائل منهم لمرافقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وضربت مضارب وخيم كثيرة خارج المدينة المنورة بانتظار حركة النبي صلّى اللّه عليه وآله وتوجّهه إلى مكة « 1 » . وفي اليوم السادس والعشرين من شهر ذي القعدة خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من المدينة متوجها إلى مكة وقد استخلف مكانه في المدينة أبا دجانة الأنصاري ، وقد ساق معه ما يزيد عن ستين بدنة . وعندما بلغ الموكب النبوي العظيم إلى « ذي الحليفة » ( وهي نقطة فيها مسجد الشجرة أيضا ) أحرم بلبس قطعتين عاديتين من القماش الأبيض من مسجد الشجرة ، ودخل الحرم ، ولبّى عند الاحرام قائلا :
--> ( 1 ) السيرة الحلبية : ج 3 ص 389 .